محمد بن جرير الطبري
283
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال أبو جعفر : قد ذكرنا قبل موافاه المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبغا وأحمد بن صالح بن شيرزاد بغداد ، وكانت موافاتهم إياها يوم الأربعاء لثلاث ساعات مضين من النهار لاربعه أيام - وقيل لخمسه أيام - خلون من المحرم من هذه السنة ، فلما وافاها ، نزل المستعين على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره ، ثم وافى بغداد خليفه لوصيف على اعماله ، يعرف بسلام ، فاستعلم ما عنده ، ثم انصرف راجعا إلى منزله بسامرا ، فوافى القواد خلا جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ بغداد مع جله الكتاب والعمال وبني هاشم ، ثم وافى بعد ذلك من قواد الأتراك الذين في ناحية وصيف كلباتكين القائد وطيغج الخليفة ، تركي ، وابن عجوز الخليفة ، نسائي ، وممن في ناحية بغا بايكباك القائد من غلمان الخدمة مع عده من خلفاء بغا . وكان - فيما ذكر - وجه إليهم وصيف وبغا قبل قدومهم رسولا ، يأمرانهم ان يصيروا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التي حذاء دار محمد بن عبد الله بن طاهر ، ولا يصيروا إلى الجسر ، فيرعبوا العامة بدخولهم ففعلوا وصاروا إلى الجزيرة ، فنزلوا عن دوابهم ، فوجهت إليهم زواريق حتى عبروا فيها ، فصعد كلباتكين وبايكباك والقواد من أهل الدور وارناتجور التركي ، فدخلوا على المستعين ، فرموا بأنفسهم بين يديه ، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللا وخضوعا ، وكلموا المستعين وسألوه الصفح عنهم والرضا ، فقال لهم : أنتم أهل بغى وفساد واستقلال للنعم ، ا لم ترفعوا إلى في أولادكم ، فالحقتهم بكم ، وهم نحو من الفي غلام ، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات وهن نحو من أربعة آلاف امراه في المدركين والمولودين ! وكل هذا قد أجبتكم اليه ، وأدررت لكم الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة ، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها ، كل ذلك اراده لصلاحكم ورضاكم ، وأنتم تزدادون بغيا وفسادا وتهددا وابعادا ! فتضرعوا ، وقالوا : قد أخطأنا ، وأمير المؤمنين الصادق في كل قوله ، ونحن